السيد كمال الحيدري
67
معرفة الله
عين العبد وغياب أثره بل به غياب الأغيار عن لحاظه وافتقار المنظور إليه بمصداقه الأوحد وهو الله تعالى ، فإذا ما رأى شيئاً آخر فإنّه يرى منظوره الأوّل فيه ومعه وقبله وبعده . ولذلك فإنّ هذه الطبقة من مفردات الإنسان الكامل الفانية في الله تعالى يتفرّد بقاؤها ببقائه سبحانه لا بإبقائه ، والفرق عظيم جدّاً بين البقاء والإبقاء بما لا يخفى على البصير « 1 » ، وبذلك نُدرك عمق ما أفاده الإمام الحجّة بن الحسن عجّل الله فرجه الشريف في دعاء شهر رجب « لا فرق بينك وبينهم إلّا أنّهم عبادك وخَلْقك » « 2 » . وبذلك نخلص إلى أنّ العود إلى الفطرة الأولى ليس مأخوذاً على نحو القضية الاتّفاقية بل على القضية اللزومية « 3 » ، وهذا اللزوم يتبلور بالأخذ بالأسباب الصحيحة الآنفة الذِّكر والتي عبّرنا عنها بالآليات الموجبة للعود إلى الفطرة ، فلا يتسنّى لطالب المعارف الإلهية بواسطة العود إلى الفطرة تحقيق غايته دون التحقّق بالطهارتين معاً ، وارتداء ثوب التقوى الحقيقية في العمل ظاهراً وباطناً وتجسيد العبودية المحضة لله تعالى ، فتنقطع عن قلبه
--> ( 1 ) من اقترن بقاؤه ببقاء الله سبحانه فسوف يكون بقاؤه أبدياً غير قابل للفناء مطلقاً ، وأمّا الذي يكون بقاؤه متعلّقاً بإبقاء الله تعالى له فذلك البقاء معرّض للزوال والفناء من قبله سبحانه ، فلا ضمانة للديمومة والأبدية . ( 2 ) إقبال الأعمال ، للسيّد عليّ بن طاووس ، الطبعة الحجرية ، 1312 ه : ص 647 . ( 3 ) القضية الاتّفاقية لا يوجد بين طرفيها اتّصال حقيقيّ ؛ لعدم العلقة التي تُوجب الملازمة ، من قبيل قولنا : إذا هاجرت الطيور تفتّحت الزهور ، وأمّا القضية اللزومية فهي التي يوجد بين طرفيها اتّصال وعلقة حقيقيّة توجب استلزام أحدهما للآخر ، من قبيل : إذا تمدّد الماء فإنّه ساخن . انظر : المنطق للعلّامة محمد رضا المظفّر ، نشر دار التفسير ، الطبعة الثانية ، 1423 ه : ج 2 ص 146 .